العودة للخلف

(الثلاثون) وداع رمضان

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 1

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فها هو شهر رمضان قد ودّع المسلمين، وهو شاهد لهم وعليهم بما أودعوه فيه من الأعمال. وهذا عيدُ أهل الإسلام قد أقبل، يومُ فرح وسُرور وبهجة وحُبور.

وبتمام شهر رمضان تحلُّ علينا ليلة العيد، ويُشرع فيها التكبير، لقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، فقد أخذَ منها العلماء مشروعية التكبير عند تكميل العِدّة. لَمَّا كانت المغفرة والعتق من النار وغيرها من الفضائل العظيمة مُرتَّبةً على الصيام والقيام: أمرَ الله تعالى عند إكمال العدة بتكبيره وشُكره على ما وفَّق وأعان وتفضّل، فـ لله الحمدُ كثيرًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «التكبير مشروع في عيد الفطر: عند مالك والشافعي وأحمد. وذكر ذلك الطحاويُّ مذهبًا لأبي حنيفة وأصحابه، والتكبير فيه: هو المأثور عن الصحابة رضوان الله عليهم، والتكبير فيه أوكد من جهة أنَّ الله أمرَ به، والتكبير فيه: أوله: مِن رؤية الهلال. وآخره: انقضاء العيد وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح»([1]).

قال ابن قدامة رحمه الله: «وجملته أنه يُستحبّ للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين، لظاهر الآية المذكورة. قال بعضُ أهل العلم في تفسيرها: لتُكمِلوا عدَّة رمضان، ولتكبِّروا اللهَ عند إكماله على ما هداكم. ومعنى إظهار التكبير رفع الصوت به، واستُحبّ ذلك لِمَا فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير.

قال أحمد: كان ابنُ عمر يكبِّر في العيدين جميعًا، ويُعجبنا ذلك. واختص الفطر بمزيد تأكيد؛ لورود النص فيه، وليس التكبير واجبًا»([2]).

وليلة العيد كغيرها من حيث مشروعية القيام فيها، ولم يثبت حديثٌ في فضل إحياء ليلة العيد([3]).

وتخصيصها بإحيائها من البدع([4]).

قال العلامة العثيمين رحمه الله: «ليلة العيد كغيرها من الليالي يعني: ينبغي للإنسان أنْ يستغلَّها بما ينفعُه عند الله عز وجل، ومن ذلك: كثرة التكبير، والتحميد، والتهليل: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وأما الخروج إلى المنتزهات إذا كان خروجاً نزيهاً ليس فيه تبرُّج النساء، ولا اختلاط بهنّ فإنه لا بأس به؛ لأن الأصل الحِلّ، وإن كانت الحال الأولى أحسن، وهي أن نستغلَّها بطاعة الله عز وجل؛ لكن الشيء الذي لم تدلّ الشريعة على تحريمه؛ الأصل فيه الحِل»([5]).

والمسلم في شهر رمضان قد اعتاد على الأعمال الصالحات فينبغي له أن يداوم عليها، وأن يَصِلَ الحسناتِ بالحسنات.

ولهذا قال النبيُّ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»([6]).

وهذا الحديث واضح الدلالة في وصل العمل بالعمل، وإتباع الحسنة بالحسنة.

ونظيره قوله : «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»([7]).

فيه الاستمرار على هذه العبادة الجليلة عبادة الصيام، بعد رمضان.

وهكذا غير عبادة الصيام، ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ». وفي لفظ: «وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ»، قالت: وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ. وقال القاسم بن محمد -الراوي عن أم المؤمنين-: «وَكَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ»([8]).

وهكذا في جانب ترك السيئات، كم حفظَ الصائمُ صيامَه من اللغو والرفث ومن المعاصي التي تجرح صيامه، وقد قصَد الشارع الحكيم المواظبة والاستمرار على ذلك، وقد قال رسول الله : «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»([9]).

فذكَر النبيُّ أنَّ رمضان إلى رمضان مِن المكفرات إذا حافظَ المؤمن واجتنبَ الكبائر. قال بعضُ العلماء: اجتناب الكبائر والتوبة منها شرط تكفير الصغائر بهذه الأعمال، وأمّا الإصرار عليها فإنّ مِن عقوبته عدم تكفير تلك الأعمال([10]).

وقال بعضُ العلماء: بل معناه أنها تكفِّر الصغائر، وأما الكبائر فلا بد من توبة خاصة لتكفيرها([11]).

فما أجمل أنْ يصلَ المسلمُ الإحسانَ بالإحسان، والمعروفَ بالمعروف، وأنْ يُداومَ على الخيرات، وأنْ يَستمرّ على حبِّ القُرُبات.

وعبادة الله تعالى ليست موسميَّة، ولا حَولية، بل كما قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي قال: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»([12]).

قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: «وممَّا يجب التنبيه عليه أن بعض المسلمين قد يَجتهدُ في رمضان ويتوب إلى الله سبحانه مما سلفَ مِن ذنوبه، ثم بعد خروج رمضان يعودُ إلى أعماله السيئة! وفي ذلك خطر عظيم.

فالواجب على المسلم أن يحذر ذلك وأنْ يعزمَ عزمًا صادقًا على الاستمرار في طاعة الله وترك المعاصي، كما قال الله عز وجل لنبيه : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة كلها تدلُّ على وجوب الثبات على الحق، والاستقامة عليه، والحذَر من الإصرار على معاصي الله عز وجل»([13]).

وسُئل رحمه الله بهذا السؤال: مَن يرجع إلى المعاصي بعدَ رمضان هل هو علامة على عدم قبول عَمله في رمضان؟

فأجاب رحمه الله بقوله: «يُخشَى عليه؛ لأنَّ هذا علامة على التساهل، وأنه غير صادق التوبة، فينبغي للمؤمن إذا منَّ اللهُ عليه بإكمال الشهر أنْ يَستقيم، وأن يَستمر على الخير، وأن يَحذر الشر والعودةَ إليه، فإنَّ العودة إلى الشر خطير، قد يكون سببًا لحُبوط عَملهِ وعدم قبوله، لا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله السلامة»([14]).

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبَحَمْدكَ، أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ».



([1]) مجموع الفتاوى 24/ 221.

([2]) المغني 3/254 255 ت التركي.

([3]) السلسلة الضعيفة رقم 520 ، 521.

([4]) فتاوى اللجنة الدائمة 8/170.

([5]) جلسات رمضانية 14/ 17 بترقيم الشاملة.

([6]) رواه مسلم 1164 عن أبي أيوب رضي الله عنه.

([7]) رواه مسلم 1162 عن أبي قتادة رضي الله عنه.

([8]) البخاري 43، ومسلم 783 .

([9]) رواه مسلم 233 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([10]) الداء والدواء (الجواب الكافي) 43 ط عطاءات.

([11]) انظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 2/183، لطائف المعارف 207.

([12]) البخاري 1152، ومسلم 1159.

([13]) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 15/428-429.

([14]) السؤال وجوابه منشور على موقع الشيخ الرسمي.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح